علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
60
البصائر والذخائر
خفايا أمر سلطانك ، وعلى حقائق أحوال إخوانك ، لم تستطع ذلك ولم تقدر عليه « 1 » ، على أنهم أشكالك وبنو جنسك ، أو ليس قد علمت أنّ الملك لو وقف حارس داره على ما يقف عليه وزير مملكته « 2 » ، واطّلع من دون بابه على ما يطّلع عليه من دون « 3 » شعاره ، لكان ناقصا مرذولا ، ولم يكن فاضلا ولا مفضولا ، وأنّ الحال التي قد لبسها ، والأمر الذي قد اعتنقه يقضي كتمان أشياء عن جميع الأولياء ، وإفشاء أشياء إلى جميع الرعايا ، وطيّ أشياء عن بعض الخواصّ ، ونشر أشياء على بعض العوام ، ولو تساوت رتب جميع الناس معه شركوه في الملك ، وكان ذلك داعية الهلك ، وأن لو بسط الجميع إلى معرفة ما غيّب ساووه في الإلهية « 4 » ، وهذا محال ، ولو حسم الأطماع عن معرفة ما يمكن لكان غير داع إلى نفسه ، ولا حائش إلى أنسه ، ولا باعث على الإقرار بالإلهيته ، والاعتراف بربوبيّته ، فأودع العقول ما تمّت به العبودية ، ودفع عنها ما تعلّق بالإلهية ، ثم أمدّها « 5 » بالإحسان والتفضّل على دائم الزمان . فمن ظنّ أنه قد جهله من جميع « 6 » الوجوه أبطل ، لأن آثاره ناطقة بالحقّ ، وشواهده قائمة بالصّدق ، تقود العقول إلى الإقرار بالاضطرار والاختيار ؛ ومن ظنّ أنه قد عرفه من جميع الوجوه أبطل ، لأنّ اللّه تعالى لا يستوفى بمعرفة عارف كما لا ينفى بحيرة واقف : إن جحدته فأنت مكابر ، وإن ادّعيت الإحاطة به فأنت كافر ، ولكن بين ذلك قواما « 7 » ، فإنه أهدى لقلبك ، وأربط لجأشك ، وأطرد
--> ( 1 ) ص : لم تقدر على ذلك . ( 2 ) ص : الوزير . ( 3 ) ص : هو . ( 4 ) وأن لو بسط . . . الإلهية : سقط من ص . ( 5 ) ص م : أمد . ( 6 ) ص : سائر . ( 7 ) القوام : العدل والتوسط ( انظر الآية : 67 من سورة الفرقان ) .